بسم الله ،
---------------
اقترب رجل الأمن من الباب ليفتحه لنا ،
دخلنا منه فقابلنا باب آخر ، محكم الإغلاق ،
قرعنا الجرس ، ففتحت لنا إحداهن ، بسرعة وحذر ،
---------------
خلف الباب المغلق ،
تجلس مجموعة من النسوة ،
تختلف أعمارهن ،
بعضهن في ربيع العمر ، والبعض قد بلغن من الكبر عتياً ،
يشتركن معنا في أحاديثهن ، اهتماماتهن ، مشاغلهن ، مشاعرهن ،
لكنهن يختلفن عنا في المسمى ،
فهن يلقبن بـــ :
المريضات نفسياً
----------------
هذه هي المرة الأولى التي ندخل فيها جناح المريضات نفسياً ،
كنا خائفات وذلك لأننا سمعنا بعض القصص عن مرضى قاموا بضرب بعض الطلبة أو الأطباء .
قابلتنا إحدى المريضات نفسية بترحيب حار ، وكانت تتحدث مع الجميع ببهجة وكأنها تعرفنا منذ فترة طويلة .
لم نقض يومها إلا بضع دقائق بين المريضات ، ثم خرجنا بعدها ،
ونحن نتساءل :
كيف ستمر الأيام القادمة ؟
----------------
شابة ، في بداية العشرينات ، تضحك ، وتغني ، وتلقي قصائداً من الشعر النبطي ،
تلك هي مريضتنا ، التي كنا مطالبين بأن نأخذ منها بعض المعلومات عن مرضها ،
كانت تحكي لنا حكايا غريبة ، وتحدثنا بأحاديث كثيرة ، نفهم بعضها ، ويصعب علينا فهم البعض الآخر ،
قالت : يقولون أن والدي مات في حادث سيارة ، لكنه لم يمت ،
لماذا يقولون ذلك ، لماذا يجعلوننا نعيش لحظات الحزن ،
الأب هو أحسن إنسان في الدنيا ، لا يوجد شخص مثل الأب ،
قاومت دموعي بصعوبة ، وأنا استمع إلى كلماتها التي تبين مكانة الأب في قلبها ،
ومكانته في قلب كل ابن بار ،
رحل والدها عنها ، وهي مصرة على أنه لازال حياً ،
ورحل عقلها عنها ، وهي لا تزال تعرف قيمة الأب ،
تفكرت في حالنا نحن ،
نحن الذين قد حفظ الله لنا عقولنا ، وأبقى لنا آباءنا ،
هل عرفنا قيمتهم ؟؟ هل أدينا حقوقهم ؟؟ هل سعينا إلى إرضائهم ؟؟ هل ابتعدنا عن كل ما يغضبهم ؟؟
قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف" قيل: من يا رسول الله؟ قال "من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة" رواه مسلم
------------------
يختلف ما يوجد خلف الباب المغلق عن باقي أجنحة المستشفى النسائية ،
فهنا لا تهتم الممرضات بإعلام المريضات أن الأطباء الذكور قد دخلوا إلى القسم ،
فالمعروف أن المجنون مرفوع عنه القلم ،
* طبعاً لا يكون هناك إعلام بدخول الطبيب إذا كان سيجلس في غرفة التمريض أو سيمر أمام الصالة ، والمريضات يعرفن أنه من الممكن أن يتواجد هناك طبيب في أي وقت ، لكن إن أرد دخول أي حجرة فإنه يتم إعلام من فيها ، والتأكد من تحجبهن أو تسترهن قبل دخوله *
وقد لاحظنا أن من تبدأ حالتهن في التحسن ، فإنهن يعدن إلى ارتداء الحجاب بأنفسهن ،
والحرص على عدم الظهور أمام الدكاترة دون ارتدائه ،
وهذا ما لاحظناه أيضاً في مريضتنا الأولى ،
ففي أول الأيام ،
لم تكن تحرص على لبس الحجاب ،
لكنها بعد فترة بدأت ترتديه ،
والغريب أنها كانت تدخل إلى غرفتها وتلبس ( الطرحة والنقاب ) بطريقة مرتبة جداً وساترة على الرغم من أنها لم تكن ممن يعتنين بترتيب مظهرهن – بحكم أنها مريضة –
إلا أنها كانت تحرص على أن ترتدي الحجاب على أكمل صورة .
وكأنها فهمت الآية التي لم يفهما الكثير :
( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ) الأحزاب آية 59
وأذكر أن الطبيب دخل في ذلك اليوم – دون إعلام المريضات طبعاً –
فأجبرتني المريضة على أن أغطيها بحجابي ، وآخذها إلى غرفتها – إكراهاً –
ولم يكن بوسعي أن أرفض لأنها سحبتني بقوة ، ولأنني خشيت أن تحزن ،
وما إن وصلنا إلى غرفتها ،
حتى رفعت يديها وأخذت تدعو لي ،
دعت لي بدعوات كثيرة ،
أذكر منها :
( يا رب تصيري أحسن دكتورة في العالم )
-------------------------
دخلت امرأتان ترتديان عباءاتهما إلى داخل جناح المريضات نفسياً ،
إحداهما كانت مريضة لم تتجاوز الثامنة عشر من عمرها ،
والأخرى أمها ، التي أحضرتها ، لتتركها – في المستشفى –
همت الأم بالخروج ، ثم عادت لتهمس لابنتها ببضع كلمات ،
كنا بعيدات ، فلم نسمع ما قالته ، لكنها بدت كما لو أنها تودعها ، وتسألها إن كانت تحتاج إلى شيء ،
كنت أتساءل عن شعورالأم وهي تتركها هاهنا ، خلف الباب المغلق ،
تتركها هاهنا ، لتخرج بين الحين والآخر ، ثم تعود ليصبح هذا المكان مسكناً شبه دائم لها ،
لاريب أنها تشتاق إليها وتفتقدها ، لكنها تعرف أن هذا المكان أفضل لها من العالم الخارجي ،
وأرجو أن تكون مؤمنة بأن مرض ابنتها قضاء من الله وقدر ، والحمد لله على كل حال ..
وفي الحديث: { إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط }
[رواه البخاري].
------------------
اقتربت منا ، وكانت بعض الطالبات أخبرننا بالأمس أنها تقرأ القرآن بخشوع وترتيل ،
طلبنا منها أن تقرأ لنا إحدى السور ،
بدأت بتلاوة القرآن ، كنا نستمع لها بهدوء ، فإذا بصوت التلفاز يرتفع بالموسيقى ،
قالت إحدى الطالبات : فلتخفض إحداكن الصوت ،
أنهت تلك المريضة القراءة ، ونظرت نحو تلك الطالبة بغضب وقالت : لماذا تحدثتي وأنا أقرأ القرآن ، ألا تريدين أن يرحمك الله ؟؟
خشينا أن يتطور الغضب إلى شجار وضرب ، صمتت الطالبات لوهلة ،
ثم هتفت إحداهن : لكنها كانت تريدنا أن نخفض صوت الموسيقى ،
ابتسمت المريضة ، وأبدت رضاها وسعادتها لحسن تصرفنا ،
وابتسمنا نحن ، لأن زميلتنا نجت بفضل الله من غضبها ،
قال الله تعالى: ( وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)
سورة الأعراف: 204
------------------
طلبنا من نفس المريضة السابقة ذات يوم أن تقرأ لنا جزءً من القرآن ،
فقرأت سورة عبس ، وبعد أن أنهتها ، سألناها :
من علمك قراءة القرآن وحفظ سوره ،
فقالت :
أنا لم أدرس إلا إلى الصف السادس ،
لكن الله علمني ،
لأن الله هو المعلم
المربي
القادر
الرازق ،
هل كلامي صحيح ؟
قلنا نعم ،
قالت : هل تريدونني أن أشرح لكم أي كلمة في السورة ؟
هل كل معانيها واضح ؟
قلنا : نعم ،
قالت : ألا تريدون أن أشرح لكم شيئاً ؟
ومع إصرارها طلبنا منها أن تشرح لنا أول آيتين ،
وبدأت بالشرح ،
لولا أننا نعرف معنى الآيات إجمالاً ومناسبة القصة ،
لصدقنا ما قالته ،
أسلوبها كان مقنع ، وبدت واثقة من نفسها ،
إلا أنها – أستغفر الله – كانت تؤلف من عقلها ،
لذا قررنا أن لا نسألها أي سؤال آخر ،
-----------------------
كنت – ولا فخر - إحدى أجبن طالبات الدفعة ،
حضرت في ذلك اليوم مبكراً ، ودخلت إلى قسم المريضات نفسياً والخوف يسبقني ،
سمعت صوتاً مألوفاً ، لكنني تجاهلته ، وظننت أنني * أتوهم *
توجهت إلى غرفة الممرضات لأسألهن إن كان الأطباء قد أدخلوا مريضة بدلا عن تلك التي خرجت بالأمس لنكون مسؤولات عنها ،
أجابتني الممرضة : نعم ، سألتها بسرعة من هي ؟
نطقت الممرضة اسمها عدة مرات ، حتى استطعت استيعابه ، وتحمل الصدمة ،
وتأكدت من أنها صاحبة الصوت المألوف الذي سمعته حين دخولي ،،
وتذكرت ما حصل معنا يوم الأمس في العيادة ،
---------
كنا مجتمعات مع إحدى الاستشاريات وإحدى الطبيبات المقيمات في العيادة ،
عددنا كان يقارب العشرة ،
اعتدت وبعض صديقاتي أن نجلس في الكراسي التي توجد في آخر العيادة وهي الأقرب لطاولة الاستشارية ،
والأبعد عن الباب ،
وكنت أقول لصديقاتي أن هذا هو أءمن مكان ،
غير أن الكثيرات كن يخالفنني الرأي بحجة أن الكراسي الأقرب للباب تتيح لهن الهروب بسرعة إذا ما حصل أي شيء ،
في ذلك اليوم ،
كنت أجلس في مكاني المعتاد ،
إلا أنني كنت أنتظر مكالمة هامة جدا جدا ،
فاضطررت إلى الخروج من العيادة لإجرائها ،
لما عدت ، كنت أود أن أخبر صديقتي بأمر هام ،
ناديتها وجلست في الكرسي الذي يقع إلى جوار الباب مباشرة ،
كان الباب مقفلاً ،
وفجأة ،
فُتح بقوة وعنف ،
ووقفت أمامه وبدأت تصرخ وتصرخ ،
كنت الأقرب لها ،
وكنت أشعر أنها إن فكرت في ضرب أحد فسأكون أول من يخطر في بالها ضربه ،
نظرت إلى السرير – حيث تجلس بعض الطالبات – فوجدت مكاناً كافياً للهروب إليه ،
لكنني اقتنعت أن قيامي بأي حركة سوف يؤدي إلى – زيادة غضبها وحدوث ردة فعل قد لا تكون في صالحي –
جلست على طرف الكرسي ، متأهبة للهروب ،
واستمرت المريضة في الصراخ ، رغم أن الاستشارية حاولت تهدئتها – بالكلام فقط –
ثم أقنعتها أخيراً بالخروج من العيادة ، والانتظار في الخارج ،
خرجت المريضة بعد عدة دقائق بدت لي ساعات ، وأغلقت الباب بقوة .
فنهضت بسرعة وجلست على السرير ، تاركة قلبي على الكرسي ،
وطبعاً ضحكت الدكتورات والطالبات ،
وعلقن بعض التعليقات .
- بالطبع سيفعلن ذلك ، كل منهن جالسة في مكانها ، وأنا في وجه المدفع -
--------------------
على الرغم من خوفنا من مريضتنا الجديدة ،
وحرصنا على أن نجلس في أبعد مكان عنها ،
إلا أننا بعد سماع قصتها والحديث معها اكتشفنا أنها إنسانة مرهفة الإحساس ،
والأهم من هذا وذاك أنها أم حنون ،
ولديها أبناء وبنات سخرهم الله لها ، ورزقهم برها ،
لم تكن كل كلماتها صادقة ، وكان البعض منها يناقض الآخر ،
فلم نكن نعرف أيها الصحيح وأيها الخاطيء ،
أشياء قليلة هي التي تأكدنا منها وهي :
أن بناتها يعاملنها أحسن معاملة ، ويحسن إليها ، ويجبن طلباتها حتى الأمور المبالغ فيها والتي حدثت نتيجة لمرضها كرغبتها المستمرة في شراء الأشياء الجديدة والتي تفيض عن حاجتها ،
- وهو أمر يشتهر به المصابين بمرض الفرح المفرط = mania
وسبحان الذي حنن قلوبهن عليها ،
فهي عند اشتداد المرض تصبح سليطة اللسان ، سيئة الخلق ،
لكن ربي لم يضيع تعبها الذي تعبته على بناتها ،
فهي قد ترملت عندما كانت في العشرينات ،
وربت هؤلاء البنات وحدها حتى أكملن دراستهن ، وتزوجن .
والحمد لله أنهن لم ينسين فضل والدتهن عليهن بعد الله تعالى .
--------------------
أمسكت بكيس كبير في يدها ،
احتوى على ثيابها وعلى بعض الحلويات ،
وجلست على الأرض مباشرة خلف الباب المغلق ،
ألصقت وجهها بالباب ،
وصرخت بكلمات غير مفهومة ،
أخذت تبكي ،
والممرضات يهدئن من روعها ،
هي لا تستطيع أن تتكلم جيداً ،
هي ترى وتسمع أوهاماً لا نسمعها نحن ،
بدأت من عالم آخر ،
لكنها مع هذا ،
كانت تحن إلى المنزل ،
جلست أمام الباب ،
تنتظره أن يفتح ،
لتخرج منه إلى بيتها ،
إلى أسرتها ،
وبدا لي أن الإنتظار سيطول ،
-----
كثيراً ما أسأل نفسي :
هل ترى أفراد أسرتها ينتظرون رجوعها إليهم بنفس هذا الشغف ؟؟
أم أنهم لا يريدون أن يروها مرة أخرى ،،
إن كانوا يتمنون أن لا تعود ،
قلماذا ؟؟
ألأنهم يتألمون لمرضها ويشفقون عليها ؟
أم أنهم يشعرون أنها عالة عليهم ، ويخجلون من أن يراها الآخرون .
------------------
كانت تلك المريضة من أنشط المريضات ، وأكثرهن حديثاً مع الطالبات ،
جلست في ذلك اليوم تناقشنا في موضوع الزواج !
بحجة أنها تريد أن تخطب لابنها ،
حاولت الطالبات أن يقمن بتغيير الموضوع ،
أو على الأقل تغيير رأيها الذي كانت تصر عليه ،
طلبت من إحدى الطالبات رقم والدها ، لكن الفتاة وصديقاتها اعتذرن منها ، وحاولن – تصريفها –
ثم خرجن من القسم وتركن تلك المريضة معنا ،
سئمت المريضة لأن أحداً ما لم يجب عليها بجدية ، على الرغم من أنها كانت تكلمنا بجدية ،
كانت تقف أمامي مباشرة ،
اقتربت مني ببطء وقالت : أعطني رقم هاتفك ،
حاولت أن أعطيها أي رقم منزل ،
خشيت إن أنا أعطيتها رقماً أن تكتشف أنه خاطيء ،
كنت أفكر برد ،
وكانت هي تقترب ببطء ،
حتى إذ لم يبقى بيني وبينها إلا سنتميترات ،
رفعت يديها باتجاه رقبتي ،
بدا لي أن المنظر يتحرك بالحركة البطيئة ،
رفعت يدي لأقوم بدفع يديها ولأحمي وجهي وعيني ،
لكنني تفاجأت بها وهي تمسك رأسي وتقبله ،
ثم قالت ضاحكة :
( صدقتوني ، كنت أمزح معاكم )
ثم ابتعدت ،
وطبعاً يقيت صامتة و- متجمدة – لدقائق ،
حتى استوعبت أنها لم – تخنقني – كما كنت أتوقع
------------------
اقترحت إحدى الطالبات أن نقيم حفلة للمريضات قبل أن نتركهم وننساهم ،
وبالفعل قامت بعض الأخوات جزاهن الله خيرا بتزيين الصالة الموجودة خلف الباب المغلق ،
وأحضرت الأخوات بعض الكعك والمأكولات ،
بدا ذلك اليوم مختلفاً عن غيره ،
فقد خرجت كل المريضات من حجراتهن – عدا مريضتنا فقد كانت مصابة بالحمى - ،
حتى أولئك اللواتي لا يتحدثن من أحد ،
ولم يرغبن في إعطاء أي معلومة لأحد ،
خرجن معنا ،
وأكلن وشربن ،
بدت السعادة في وجوههن ،
وشعرت بها تمتد إلى قلوبنا ،
لا أعرف ماذا تعني السعادة لهؤلاء المريضات ،
ومعظمهن لا زلن في سن الشباب ،
ويقضين أغلب أوقاتهن خلف الباب المغلق ،
------------
تأملت في حالنا وحالهن ،
هل نشعر نحن بالرضى والسعادة ؟؟
ونحن نمتلك عقلاً أنعم الله به علينا لنميز به بين الصواب والخاطيء ،
ولنفهم به الآخرين ، ونساعدهم على أن يفهونا ،
هل نشعر بالرضى والسعادة ؟؟
ونحن نتناول طعام الغداء مع أهالينا ،
هل نشعر بالسعادة والرضى ؟؟
ونحن نأكل وننام كما نشاء – بعون الله –
نرتدي ما يحلو لنا من الثياب ،
نقابل من يحلو لنا لقاؤهم ،،
هل نشعر بالسعادة والرضى ؟؟
ونحن – بفضل الله وحده - لا نجلس هناك :
خلف الباب المغلق
==============
هذا ما لدي ،
أختكم
ريــوف