الإنصاف
الإنصاف في اللغة مصدر قولهم : أنصف ينصف ... ويقال : أنصفه من نفسه، وانتصفت أنا منه ، وتناصف القوم : أي أنصف بعضهم بعضا من نفسه ... وأنصفت الرجل إنصافاً : عاملته بالعدل والقسط .
ويمكن تعريف الإنصاف بأنه : أن تعطي غيرك من الحق مثل الذي تحب أن تأخذه منه لو كنت مكانه ، ويكون ذلك بالأقوال والأفعال ، وفي الرضا والغضب ، مع من نحب ومن نكره .
وللإنصاف أنواع عديدة ، منها :
ـ أن ينصف المرء نفسه من نفسه ؛ إذ كيف ينصف الناس من لا ينصف نفسه.
ـ أن ينصف المرء خالقه عز وجل ، فلا يرى ربه إلا محسنا ، ولا يرى نفسه إلا مسيئا أو مفرطا أو مقصراً ، فيعطى العبودية حقها ، ولا ينازع ربه صفات إلهتيه ، ولا يشكر على نعمه سواه ، ولا يستعين بها على معاصيه .
ـ إنصاف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك بالإيمان به ومحبته وتوقيره وطاعته والقيام بحقوقه .
ـ إنصاف العباد ، بأداء حقوقهم وعدم مطالبة المرء إياهم ما ليس له ..
آداب أهل الإنصاف :
التحلي بصفة الإنصاف ، وسلوك درب المنصفين يلزم معه التأدب بآداب خاصة ، وقد التزم بها أهل السنة والجماعة وقدوتهم في ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأهمها :
التجرد وتحري القصد عند الكلام على المخالفين :
وذلك أنه قد تلتبس المقاصد عند الكلام عن المخالفين ، فهناك قصد حب الظهور ، وقصد التشفي والانتقام والانتصار للنفس أو للطائفة التي ينتمي إليها الناقد .. وقد حذر ابن تيمية مَن يرد على أهل البدع من التباس المقاصد فقال : " وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم ، وإذا غلط في ذم بدعة أو معصية كان قصده بيان ما فيها من إفساد ليحذر العباد ، كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيراً والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان ، لا للتشفي والانتقام
" وقد انتبه ابن القيم ـ رحمه الله ـ إلى هذا الأمر فوضع قاعدة لمن يريد أن يتجرد من الهوى فقال : " وكل أهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن ما يقدرون عليه من الألفاظ ، ومقالة مخالفيهم أقبح ما يقدرون عليه من الألفاظ ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف بها حقيقة ما تحت الألفاظ من الحق و الباطل ، ولا تغتر باللفظ كما قيل في هذا المعنى :
تقول هذا جنى النحل تمدحه
.................وإن تشأ قلت : ذا قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما
.................والحق قد يعتريه سـوء تعـبير
2ـ أهمية التبين والتثبت قبل إصدار الأحكام :
وذلك امتثالا لقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات:6]، وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) [النساء:94] والتبين والتثبت من خصائص أهل الإيمان ، قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ : " المؤمن وقاف حتى يتبين " وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ : " ومتى لم يتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤة ، بل الواجب السكوت والتوقف ".
3. حمل الكلام على أحسن الوجوه ، وإحسان الظن بالمسلمين :
فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بكلام أخيه المسلم ، وأن يحمل العبارة المحتملة محملاً حسناً فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على إحسان الظن بالمسلم حين قال وهو يطوف بالكعبة :" ما أطيبك وأطيب ريحك ، وما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمه منك ، ماله ودمه ، وأن لا يظن به إلا خيراً " .
وقال سعيد بن المسيب : كتب بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من امريء مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا " .
4ـ ألا ينشر سيئات المخالف ويدفن حسناته :
فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم عمر بحسنات حاطب فقال : " وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .
فكون حاطب من أهل بدر ترفعه ويُذكر له في مقابل خطئه الفاحش ،ولذا غفر له خطؤه .
5. النقد يكون للرأي وليس لصاحب الرأي :
فالنقد الموضوعي هو الذي يتجه إلى الموضوع ذاته وليس إلى صاحبه . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حدث خطأ من أحد أصحابه أو بعضهم . لا يسميهم غالبا وإنما يقول : (( ما بال أقوام )) ، (( ما بال رجال )) .
6. الامتناع عن المجادلة المفضية إلى النزاع :
وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الجدل المفضي إلى الخصومة فقال : " إن ابغض الرجال إلى الله الألد الخصم " .
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : " لا تمار أخاك فإن المراء لا تفهم حكمته ، ولا تؤمن غائلته .." .
وقال مالك بن أنس : " المراء يقسي القلوب ، ويورث الضغائن " .
7. حمل كلام المخالف على ظاهره وعدم التعرض للنوايا والبواطن :
وقد علمنا ذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قتل أسامة بن زيد الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله ، فلما علم صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك عليه ، فقال أسامة : إنما قالها متعوذا . فقال صلى الله عليه وسلم:" هلا شققت عن قلبه " .
وهكذا يضع النبي صلى الله عليه وسلم الأسس السليمةللتعامل مع الناس وأول هذه الأسس الإنصاف،بل لقد أسوة لهم في ذلك فها هو في غزوة بدر يسوي الصفوف ويرى سواد بن غزية بارزا فيضربه بقدح في بطنه ويقول :"استو يا سواد"،فيقول سواد يا رسول الله أوجعتني فأقدني ،فيكشف الرسول عن بطنه وهو يقول :"استقد يا سواد"،فيلتزم سواد بطن النبي ويقبله..
فانظر إلى هذا الإنصاف من النبي صلى الله عليه وسلم.
وموقف آخر عجيب يدل على مدى إنصافه،فقدروى ابن ماجة
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينا كان عليه فاشتد عليه حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني ،فانتهره أصحابه وقالوا :ويحك ،تدري من تكلم !قال: إني أطلب حقي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"هلا مع صاحب الحق كنتم"، ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها:" إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك "،فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله قال فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه فقال: أوفيت أوفى الله لك، فقال :"أولئك خيار الناس إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع".
يا لله!رسول الله يأمر أصحابه أن يكونوا مع صاحب الحق حتى وإن كان هو أحد أطراف القضية،إنه الإنصاف.
وها هو صلى الله عليه وسلم يوجه الأمة كلها إلى الإنصاف،
· فعن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يؤمن أحدكم حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه " ( رواه البخاري ) .
*وعن المعرور قال : لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألناه عن ذلك فقال: إني ساببت رجلا فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم:" أعيرته بأمه ؟، ثم قال إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم" . (رواه البخاري ).
· و عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : " ... فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله ، إني قد زنيت فطهرني ، وإنه ردها . فلما كان الغد قالت : يا رسول الله ، لم تردني ؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا . فوالله إني لحبلى . قال . : " إما لا فاذهبي حتى تلدي " فلما ولدته أتته بالصبي في خرقة . قالت : هذا قد ولدته قال : " اذهبي فارضعيه حتى تفطميه " . فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز ، فقالت : هذا يا نبي الله ، قد فطمته ، وقد أكل الطعام ، فدفع الصبي إلي رجل من المسلمين ، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ، وأمر الناس فرجموها . فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها ، فتنضح الدم على وجه خالد ، فسبها ، فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها ، فقال : " مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكٍس لغفر له ). ( رواه مسلم ) فالإنصاف يدفعه صلى الله عليه وسلم للدفاع عن هذه المرأة التي أتت تائبة.
وعلى هذا الخلق الكريم تربى العلماء والصالحون من هذه الأمة وهذه قطوف من أقوالهم في هذا الشأن:
* ( قال عمار بن ياسر ـ رضي الله عنهما :ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار).
· ( وقال ابن القيم أيضا : وجاء في أثر آخر : ( ابن آدم ما أنصفتني ، أخلقك وتعبد غيري ، وأرزقك وتشكر سواي ) .
· ( قال محمد بن سيرين : " ظلم لأحيك أن تذكر منه أسوأ ما رأيت وتكتم خيره " ) .
· ( قال الإمام الذهبي في ترجمة لقتادة بن دعامة : " وكان من أوعية العلم ، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ ،وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع ، فإنه مدلس معروف بذلك ، وكان يرى القدر ـ نسأل الله العفو ـ ومع هذا يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه ، وبذل وسعه ، والله حكم عدل لطيف بعباده ، ولا يسأل عما يفعل . ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه ، وعلم تحريه للحق واتسع علمه ، وظهر ذكاؤه ، وعرف صلاحه وورعه واتباعه ، ويغفر له زلله ، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه ، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك " ) .
فهذه أقوال بعض أهل السنة يتبين بها نتاج التربية النبوية الكريمة التي زرعت الإنصاف في النفوس حتى أنصف كل واحد من نفسه.