المجاملة ظاهره إجتماعية منتشرة ، نعيشها اليوم بشكل متزايد مع تزايد تعقيدات الحياة ، لكن تبقى للمجاملة حدود (ميزان ومعيار) ، والمجاملة ـ حسب رأيي ـ ضرورية إن وضعت في وقتها وموضعها الصحيح ، ولا ينكر أحد أثرها الحميد في النفوس ..
المجاملة في اللغة هي :
الملاطفة في أدب الكلام والمعاشرة لكسب القلوب واستمالتها ، و المجاملة شيء نحتاج إليه في حياتنا اليومية
ففي نطاق العمل
الرئيس والمرؤوس كل منهم يجامل الآخر
و في نطاق الأسرة
نرى الزوج يجامل زوجته
و الأبوان يجاملان الأبناء
وغيرهم لو أردتم القياس على سائر إطارات الحياة التي نعيشها
و لكن
قد تصل بنا المجاملة إلا إظهار ما هو مغاير للحقيقة ..
كأن نظهر الإعجاب من باب التشجيع رغم أن ما أبدينا إعجابنا فيه قد يكون مما نكره أو نبدي الموافقة على أمور مجاملة لمن عرضها علينا رغم انه في الحقيقة نحن لها معارضون ، و على وجه العموم ، قد تضطرنا المجاملة إلا إظهار ما هو مغاير عن حقيقة ما نشعر به..
ومهما كانت تعني هذه المصطلحات والمفاهيم فان الحد الفاصل بين ماهو مشروع وماهو غير مشروع دينياً وأخلاقياً هو وجود الضرر من عدمه فأينما وجد ضررا ً للنفس أو للآخرين فهناك المحرم والغير مشروع وماعدا ذلك فكل شيء مباح ، بل لأننا مسلمون فإننا مأمورون بالقيام بما يجلب المنفعة أو يدفع الضرر والامتناع عن القيام بما يمنع المنفعة أو يجلب الضرر ..
وحسب وجهة نظري ، أن بين النفاق والمجاملة فرق جزئي حيث إن النفاق عموده الأساسي الكذب وليس الإطراء من اجل تلطيف الكلام .. والمجاملة وصف زائد نوعاً ما للإطراء النفسي الجميل للطرف الآخر...
ولو أتينا للمجاملة فأعتقد بأن الأغلبية تستخدمها و ما هي إلا كلام ووصف جميل قد يحدث من نتائجه مودة وزيادة صداقه ومحبه كما يفعل الصديق لصديقه أو الزوج لزوجته والكثير منهم الأب و الإبن وغيرهم
ولكن
يجب أن تكون للمجاملة حدود معينه وبأن تكون بالمعقول وبقدر الحدث أو تزيد عنه بقليل لا أن تكون بصوره خياليه وبحجم أكبر من مستحقه حتى تكون نتائجها مجزيه وليست مخزيه أما إذا أصبحت تلك الكلمات مبالغ فيها وتم بها تحجيم الصفات بصوره اكبر منها بكثير فأعتقد وقتها بأنه قد دخلنا نطاق النفاق وليس المجاملة ..
يضطر الكثير من الناس في أحيان ٍ كثيرة ٍ إلى ممارسة سلوكيات بعضها مرفوضة والبعض الآخر منها مقبولة أو مبررة . ومن أبرز هذه السلوكيات ما يطلق عليها "المجاملة " . فالمجاملة نوع من السلوك أو التعامل الذي يلجأ إليه الإنسان عندما يلتقي بأحد الأشخاص أو يستقبله في مكان عمله أو في داره أو في مكان عام وهو كاره له إما لسوء سلوكه أو سمعته أو لأسباب نفسية أو لإختلاف ما حول موضوع معين ، ولكنه ليس لدرجة إلحاق الضرر، فيضطر الشخص إلى استقباله أو ملاقاته بترحاب مصطنع وتمثيلي أو حقيقي ، بل وحتى القيام بواجبات الضيافة السائدة في ذلك المجتمع أحيانا ، أما حياءا ً أو تأدبا ً أو لياقة ً أو لمصلحة عنده .
فالإنسان مخلوق اجتماعي ، لا يحب العزلة ، ويفضل أن يعيش بين الناس ، يفهمهم ويفهمونه ، ويتعاون الجميع لبناء المجتمع السعيد ، وفي اجتماع الإنسان ببني البشر ، تتكون العلاقات الاجتماعية ، الأسرة مثلا ، التي ينشأ بها الأولاد و قد تعلموا طرق المعاملة ، مع بعضهم البعض ، كي يكونوا سعداء ، متآلفين مع غيرهم من أبناء مجتمعهم ، فما هي العوامل التي تجعل احد الأشخاص سعيدا ، يقبل على صداقته الآخرون ، ويحظى بالحب والحنان ، إنها طريقته في معاملة الناس ، إن كان لطيفا معهم كسب حبهم ، وان كان عنيفا ، ابتعد عنه الآخرون ، وعزلوه , وأصبح شخصا منطويا ، منعزلا ، منعدم الثقة بنفسه ، ولا أتحدث عن العزلة الإرادية التي يلجأ إليها الإنسان رغبة في اكتساب علم من العلوم ، أو للتعبير عن نفسه في نوع من أنواع الفنون أو لون من الآداب ، وإنما اقصد أولئك الناس الذين يبتعد عنهم الآخرون لخشونتهم في المعاملة ، أو لعدم قدرتهم على قول الكلمة الرقيقة ، بحق إنسان آخر بحاجة إلى الفهم والصداقة والحب ، وكل إنسان بحاجة إلى هذه الأشياء الجميلة ، من أشخاص أعزاء على قلبه كالإخوة والأصدقاء ، بعض الأشخاص يكونون من اللطف ورهافة الحس درجة عالية حيث لا يتمكنون من قول الكلمة الجميلة مهما كانت قلوبهم عامرة بها ، ولا يفهمهم الآخر على حقيقتهم ، وهذه الكلمات المعبرة عن تقديرنا للأخر وإعجابنا بمواقفه أو حديثه يمكن أن نسميها مجاملة ، وهي نتيجة مشاعر صادقة يشعر بها الإنسان نحو أشخاص ويجد بهم راحته واطمئنانه ،، أما إذا كانت كلماتنا الجميلة بحق الآخرين ليست صادقة ، وإنما أتت بدوافع متعددة قد تكون طمعاً في مكسب أو خوفاً من عقاب ، فلا نسميها وقتذاك مجاملة ، بل نطلق عليها لفظة ( نفاق ) ونحن واثقون تماماً من صحة التسمية ، بون شاسع يفصل الاثنين ، أين النفاق من المجاملة ..
فقد كثرت في هذه الأيام المجاملات بين الناس حتى اختلطت المجاملة بالمحبة لدرجة كبيرة وأصبح من الصعب التفريق بينهما إلا لأُناس خاصين جداً تعرفهم تمام المعرفة، فأضحى الأمر يتباين في الوضوح والصورة وأصبحت تلك الصورة المشوشة تتكرر بشكل كبير في شرائح مختلفة من الناس وتتنقل بين محيط العمل وخارج العمل حتى أنها استقرت داخل الأسرة الواحدة وأثرت على ترابط العلاقة بين أفرادها، فمنهم من يقابلك بالحضن وتشع ابتسامته وترى أسنانه قبل أن يصلك بأمتار ليظهر لك محبته وغلاك في نفسه مع أن الأمر داخله لا يصل على الإطلاق لهذه الدرجة بل اخف بكثير لكنه يتكيف ويستطيع تكييف ابتسامته وحديثه معك كيفما يشاء وحسب حاجته منك وحسب الوقت الذي يختار .
البعض قد يُعرف أنه صاحب وجهين كما هو مشاع وآخرون يرون أن هذا الوصف لا ينطبق أبداً وغيرهم يرون أن سلوكه مبرر ولا يصل لحدة وصفنا لأنه لا يعدو كونه مجاملة اجتماعية تساهم في خلق جو من الفرح لدى الجميع حال لقائهم ببعض البعض ، أضف إلى ذلك أنه لا توجد لدى الناس ثقافة المجاملة الحقيقية ومستواها وأبعادها حتى لا تكون مبتذلة ومزعجة للآخرين لذا أصبحت واضحة وناصعة لمن يدركها ويقدر حدود التعامل مع الغير ويقيس مستوى هذا التعامل بشكله الصحيح .
ولعل هذا الخلط في التصرفات الاجتماعية والتعاملات الحياتية أدى لخلق فجوة تحتاج لردم وزيادة ثقافة.
عندما ترد المجاملة فلا نطرحها كمشكلة لكن هذه الكلمة مطاطة جداً ولا حدود لها فبعضهم أصبح مدرسة في فنها لكنه لم يتقن مهارة التعامل ولم يجعل الأمر عبارة عن لمسة خفيفة تساعد على جذب الآخرين دون أن تكون لك دوافع أخرى تعكس الصورة الجميلة التي يمكن أن تساهم بها لكنها قد تجعل الأمر ينقلب رأساً على عقب.
فتجد هذا الأسلوب يستخدم بشكل لا إرادي بين الناس ،، يتبعه الكثير من خلال نسجهم لكلمات عذبة سجية بهدف البعد عن المصارحة أو حتى الكلمات المباشرة والتي قد يتأذى المستمع منها.
وأيضاً نجدها عندما يريد شيئا من احد أو يريد أن يخلص معاملة تجده يجامل أو صديق ذا منصب أو مال تجده يجامل أو ينافق من اجل الحاجة هل تجدون أن هذا من متطلبات الحياة أم ماذا و هل استخدام هذا الأسلوب في إيجاد روابط بين الأفراد يعد أسلوبا ناجحا ومثمرا ويحافظ على العلاقة
فباتت المجاملة ضرورية إن حضرت في الموقف المناسب ، ولا ينكر أثرها الحميد في النفوس ، ولكن إن طرزت المواقف كلها بلا ميزان أو معيار ، تصبح ستراً للخطأ وتجميلاً للقبح . فنلتقي بشخص نعلم أساليبه الملتوية واستغلاله لمركزه الوظيفي وجمعه لأموال لا تأكلها النيران ، ونقول هذا شأنه وشأن الرقابة والمحاسبة ولن نرقد في قبره .
أما أن يتصدر المجلس ، ويتقمص هيئة واعظ زاهد ، ويأمر الآخرين بالمعروف وينسى نفسه ، ويتشدق في النزاهة ، ويتحذلق في الصدق وحسن الخلق ، ونصمت أمامه ، أو نهز رؤوسنا مجاملة ، فهذا غش ، ومجاملتنا تجعله يواظب على فعله ، ويظن من لا يعرفه أنه ملاك طاهر معصوم من الزلل .
ونجد شخصاً آخر ظلم ، وتجبر ، واقترف ذنوباً لو وزعت على بلدة لأثقلتها ، وإن جاء ذكر العدل يستطرد في سرده مظهراً حبه للرحمة وتطبيقه للعدل على القوي قبل الضعيف وفي العسر قبل اليسر ، ونصمت ونجامله مؤيدين ، فعملنا هذا يجعله يدعي أنه أعدل من الفاروق عمر رضي الله عنه .
وثالث اشتهر بتهوره وطيشه ، ويمتطي صهوة الكلام ، ويصول ويجول في ميادين الحكمة والحلم ونجامله ، فيعتقد السامع أنه ابن لقمان الحكيم .
ورابع عرف بغبائه وتغنى بالذكاء والدهاء وطرح أكاذيباً فاضحة ونصمت أونجامل ، فيرفع رأسه بغرور وكأنه داهية الدواهي ولو عاصر معاوية بن أبي سفيان لسبقه وأذهب ذكر شهرته .
ويأتي من يتسلط على منبر ويقرع مسامعنا بنثر لا معنى فيه ولا مبنى ، ونمدحه مجاملة حتى يتصور نفسه جاحظ العصر وسيد النثر وعلى العالم أن يمنحه جائزة نوبل ويقف آخر يدعي أنه شاعر ويرشقنا بمفردات لا رابط بينها ولا توجد فيها موسيقى أو صورة ، ولا تنتمي إلى حداثة أو أصالة ، ونصفق تصفيقاً حاراً لم يحصل عليه شعراء المعلقات وشعراء ما بعد الحداثة ولو باحوا بأجمل مذهبات قصيدهم وأثمن جمان نثرهم .
ونستمع إلى محاضر اقترن اسمه بالألقاب والأوسمة ، ولا نسمع منه إلا الغث من الكلام ونجامله ، فينتفخ وكأنه قطب الفكر ونابغة الزمان .
ونجامل أشباه المثقفين وأنصافهم وأرباعهم ، فيتطاولون ويتسلقون سلالم المبدعين .
وفوق هذا نقول لماذا يبعد الناس عن أنشطة الثقافة ولا يحضرون إلا النادر منها ؟!
ونجامل العامل المهمل فينتشي ويظن أنه نشيط مجد .
ونجامل الموظف المقصر فيعاملنا بجلافة ويتضاعف تقصيره .
ونجامل المدير الفاشل فيتشبث بالإدارة حتى مدخل التقاعد أو القبر .
ونجامل المريد فيرتدي جبة الشيخ فيحلل ويحرم ويكفر ويفتي بلا علم .
والنماذج كثيرة ... .
فخلاصة القول:
لفظ النفاق فإنه يستوحي معانيَ الشر كلها ، ولم يكن النفاق يوماً محموداً ولو من وجه ما ، ويعرِّفُه علماء السلوك بأنه إظهار الخير للتوصل إلى الشر المضمر .
فالمنافق لا يبتغي الخير أبداً ، وإنما يسعى للإضرار بالناس وخيانتهم وجلب الشر لهم ، ويتوصل إلى ذلك بإظهار الخير والصلاح ، ويلبَسُ لَبوس الحب والمودة .
أما المُجَامِلُ فلا يُضمِرُ الشر لأحد ، ولا يسعى في أذية أحد في ظاهر ولا في باطن ، ولكنه قد يظهر المحبة والمودة والبِشر وحسن المعاملة ليتألف قلب صاحب الخلق السيئ ، أو ليدفع أذاه عنه وعن غيره من الناس ، ولكن دون أن يوافقه على باطله ، أو يعاونَه عليه بالقول أو بالفعل .
قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله - :
وقيل لابن عقيل في فنونه : أسمع وصية الله عز وجل ( ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ، وأسمع الناس يعدون من يظهر خلاف ما يبطن منافقا , فكيف لي بطاعة الله تعالى والتخلص من النفاق ؟ .
فقال ابن عقيل : " النفاق هو : إظهار الجميل , وإبطان القبيح , وإضمار الشر مع إظهار الخير لإيقاع الشر , والذي تضمنتْه الآية : إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن " .
فخرج من هذه الجملة أن النفاق إبطان الشر وإظهار الخير لإيقاع الشر المضمر ، ومن أظهر الجميل والحسن في مقابلة القبيح ليزول الشر : فليس بمنافق ، لكنه يستصلح ، ألا تسمع إلى قوله سبحانه وتعالى ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ، فهذا اكتساب استمالة , ودفع عداوة , وإطفاء لنيران الحقائد , واستنماء الود ، وإصلاح العقائد , فهذا طب المودات
قيل :
أدركتُ الناس يَعُدُّون المداراة صدقة تُخرج فيما بينهم .
وقيل أيضاً:
التودد إلى الناس نصف العقل
والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق ، وأمر بمعروف بلا غلظة ، إلا رجل معلن بالفسق فقد وجب عليك نهيه وإعلامه .
فإن كانت المجاملة يترتب عليها جحد حق أو إثبات باطل : لم تجز هذه المجاملة ، أما إن كانت المجاملة لا يترتب عليها شيء من الباطل ، إنما هي كلمات طيبة فيها إجمال ، ولا تتضمن شهادة بغير حق لأحد ، ولا إسقاط حق لأحد : ـ فحسب رأيي ـ لا أعلم خطأ في ذلك .
مع تقديري ،،،